الشيخ حسن المصطفوي

23

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

وعلى جريان طبيعيّ كامل حسن من دون أن يكون فيه أقلّ أمر من الخلل والانحراف والفتور والتثاقل والخلاف . والآية الثانية - تدلّ على نفوس يسيرون في صراط الحقّ وهم المخلصون من عباد اللَّه والمجذوبون من السالكين اليه والملائكة الروحانيّون ، الَّذين لا يفترون في العمل بوظائفهم ولا يرى منهم انحراف وتعطَّل فيما يقصد منهم . والآية الثالثة - ناظرة إلى الثانية ومتفرّعة عليها ، فانّ رسول اللَّه ( ص ) مصداق أتمّ وأكمل وفرد أعلى من مصاديق العباد المخلصين ، فهو لا يزال في جميع حياته أيّامه ولياليه في سفره وحضره وفي حالة انفراده واجتماعه وفي خلوته واشتغاله وفي سكوته وتكلَّمه : متوجّها إلى اللَّه تعالى وسالكا اليه مخلصا له . والنهار فيها خصوصيّات زائدة واقتضاء مخصوص اضافيّ في مقام الخدمة والعمل بالوظائف المقرّرة وتحقّق السير في مسير الحقّ والتنزّه عن نقاط الضعف والتخلَّص عن شوائب المادّة ، بالنسبة إلى مقامه الأسنى . وأمّا الآية الرابعة وما يشابهها : فالسبح في اللَّه عزّ وجلّ إنّما يتحقّق ويصدق بمعناه الحقيقيّ ومفهومه التامّ الكامل ، فهو في مجرى الحقّ في ذاته وصفاته وأفعاله وجميع أموره منزّها عن أيّ ضعف ونقص وحدّ وفقر . وتوضيح ذلك : أنّ نور الوجود في مقاماته ومراتبه كلَّما قوي واشتد يكون الضعف والحدّ والفقر والنقص فيه أقلّ ، فنور الوجود وآثاره البارزة في مرتبة النبات أقوى من مرتبة الجماد ، وهو في الحيوان أقوى من النبات ، وفي الملكوت أقوى من الحيوان ، وفي الروح والجبروت أقوى من الملكوت ، فيكون القدرة والكمال والعلم والحياة والإرادة في الأرواح أوسع وأقوى من المراتب النازلة ، والضعف والنقص والفقر فيه أقلّ . والإنسان موجود جامع لجميع المراتب ، من عالم الجماد إلى الروح الكامل ، ولازم له السلوك والحركة من مرتبة إلى ما فوقها ، حتّى يستكمل المراحل ويصل إلى مقام الروحانيّة الكاملة والنورانيّة التامّة ، ويتنزّه عن العيوب والنواقص ، ويتقرّب من مبدأ الجمال والكمال والجلال والنور التامّ .